محمد بن جرير الطبري
68
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ يقول : الخمر : ختم بالمسك . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس خِتامُهُ مِسْكٌ قال : طيب الله لهم الخمر ، فكان آخر شيء جعل فيها حتى تختم ، المسك . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة خِتامُهُ مِسْكٌ قال : عاقبته مسك ، قوم تمزج لهم بالكافور ، وتختم بالمسك . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة خِتامُهُ مِسْكٌ قال : عاقبته مسك . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : خِتامُهُ مِسْكٌ قال طيب الله لهم الخمر ، فوجدوا فيها في آخر شيء منها ، ريح المسك . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا حاتم بن وردان ، قال : ثنا أبو حمزة ، عن إبراهيم والحسن في هذه الآية : خِتامُهُ مِسْكٌ قال : عاقبته مسك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا أبو حمزة ؛ عن جابر عن عبد الرحمن بن سابط ، عن أبي الدرداء خِتامُهُ مِسْكٌ فالشراب أبيض مثل الفضلة ، يختمون به شرابهم ، ولو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها ، لم يبق ذو روح إلا وجد طيبها . وقال آخرون : عني بقوله : مَخْتُومٍ مطين خِتامُهُ مِسْكٌ طينه مسك . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ قال : طينه مسك . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : مَخْتُومٍ الخمر خِتامُهُ مِسْكٌ ختامه عند الله مسك ، وختامها اليوم في الدنيا طين . وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب : قول من قال : معنى ذلك : آخره وعاقبته مسك : أي هي طيبة الريح ، إن ريحها في آخر شربهم ، يختم لها بريح المسك . وإنما قلنا : ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصحة ، لأنه لا وجه للختم في كلام العرب إلا الطبع ، والفراغ كقولهم : ختم فلان القرآن : إذا أتى على آخره ، فإذا كان لا وجه للطبع على شراب أهل الجنة ، يفهم إذ كان شرابهم جاريا جري الماء في الأنهار ، ولم يكن معتقا في الدنان ، فيطين عليها وتختم ، تعين أن الصحيح من ذلك الوجه الآخر ، وهو العاقبة والمشروب آخرا ، وهو الذي ختم به الشراب . وأما الختم بمعنى المزج ، فلا نعلمه مسموعا من كلام العرب . وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الأمصار : خِتامُهُ مِسْكٌ سوى الكسائي ، فإنه كان يقرأه : " خاتمه مسك " . والصواب من القول عندنا في ذلك : ما عليه قراءة الأمصار ، وهو خِتامُهُ لإجماع الحجة من القراء عليه ، والختام والخاتم ، وإن اختلفا في اللفظ ، فإنهما متقاربان في المعنى ، غير أن الخاتم اسم ، والختام مصدر ؛ ومنه قول الفرزدق : فبتن بجانبي مصرعات * وبت أفض أغلاق الختام ونظير ذلك قولهم : هو كريم الطبائع والطباع . وقوله : وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ يقول تعالى ذكره : وفي هذا النعيم الذي وصف جل ثناؤه أنه أعطى هؤلاء الأبرار في القيامة ، فليتنافس المتنافسون . والتنافس : أن ينفس الرجل على الرجل بالشيء يكون له ، ويتمنى أن يكون له دونه ، وهو مأخوذ من الشيء النفيس ، وهو الذي تحرص عليه نفوس الناس ، وتطلبه وتشتهيه ، وكان معناه في ذلك : فليجد الناس فيه ، وإليه فليستبقوا في طلبه ، ولتحرص عليه نفوسهم . القول في تأويل قوله تعالى :